قال ابن القيم رحمه الله :

ومن تأمل خطب النبي صلى الله عليه وسلم وخطب أصحابه؛ وجدها كافية ببيان الهدى والتوحيد، وذكر صفات الرب جل جلاله

وأصول الإيمان الكلية، والدعوة إلى الله، وذكر آلائه تعالى التي تحببه إلى خلقهن وأيامه التي تخوفهم من بأسه، والأمر بذكره وشكره الذي يحببهم إليه؛

 فيذكرون من عظمة الله وصفاته وأسمائه ما يحببه إلى خلقه، ويأمرون من طاعته وشكره وذكره ما يحببهم إليه، فينصرف السامعون وقد أحبوه وأحبهم.

ثم طال العهد، وخفي نور النبوة وصارت الشرائع والأوامر رسوما تقام من غير مراعاة حقائقها ومقاصدها، فجعلوا الرسوم والأوضاع سننا لا ينبغي الإخلال بها،

وأخلوا بالمقاصد التي لا ينبغي الإخلال بها، فرصعوا الخطب بالتسجيع والفقر وعلم البديع، فنقص بل عدم حظ القلوب منها، وفات المقصود بها".

قال الشيخ صالح الفوزان وفقه الله معلقا:

هذا ما قاله الإمام ابن القيم في طابع الخطب في عصره، وقد زاد الأمر على ما وصف حتى صار الغالب على الخطب اليوم أنها حشو من الكلام قليل الفائدة.

فبعض الخطباء أو كثير منهم يجعل الخطبة كأنها موضوع إنشاء مدرسي، يرتجل فيه ما حضره من الكلام بمناسبة وبدون مناسبة،

ويطيل الخطبة تطويلاً مملاً حتى إن بعضهم يهمل شروط الخطبة أو بعضها، ولا يتقيد بمواصفاتها الشرعية، فهبطوا بالخطب إلى هذا المستوى

 الذي لم تعد معه مؤدية للغرض المطلوب من التأثير والتأثر والإفادة.

وبعض الخطباء يقحم في الخطبة مواضيع لا تتناسب مع موضوعها، وليس من الحكمة ذكرها في هذا المقام، وقد لا يفهما غالب الحضور؛

 لأنها أرفع من مستواهم، فيدخلون فيها المواضيع الصحفية والأوضاع السياسية وسرد المجريات التي لا يستفيد منها الحاضرون.

فيا أيها الخطباء! عودوا بالخطبة إلى الهدي النبوي، {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة}

 ركزوا مواضيعها على نصوص من القرآن والسنة التي تتناسب مع المقام، ضمنوها الوصية بتقوى الله والموعظة الحسنة،

عالجوا بها أمراض مجتمعاتكم بأسلوب واضح مختصر، أكثروا فيها من قراءة القرآن العظيم الذي به حياة القلوب ونور البصائر.

إنه ليس المقصود وجود خطبتين فقط، بل المقصود أثرهما في المجتمع، كما قل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

لا يكفي في الخطبة ذم الدنيا وذكر الموت؛ لأنه لا بد من اسم الخطبة عرفا بما يحرك القلوب ويبعث بها إلى الخير،

وذم الدنيا والتحذير منها مما تواصى به منكروا الشرائع، بل لا بد من الحث على الطاعة، والزجر عن المعصية، والدعوة إلى الله، والتذكير بآلائه"

وقال: ولا تحصل الخطبة باختصار يفوت به المقصود، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه،

وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش، يقول صبحكم ومساكم" [ الملخص الفقهي ]


العودة   خطبة الجمعة > خطب الجمعة > خطبة الجمعة

Tags H1 to H6

خطبة الجمعة

خطبة الجمعة بعنوان عن أحداث سوريا المؤلمة

خطبة الجمعة بعنوان عن أحداث سوريا المؤلمة
إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 10-19-2018, 04:11 PM
خطب مكتوبة خطب مكتوبة غير متواجد حالياً
Moderator
 
تاريخ التسجيل: Oct 2018
المشاركات: 300
افتراضي خطبة الجمعة بعنوان عن أحداث سوريا المؤلمة

الخطبة الأولى:ــــــــــــ
الحمد لله الذي يبتلي عباده بالسَّراء والضَّراء، ويختبرهم في المنع والعطاء، وله الحكمة فيما قدَّر وقضى، وكل عبد إلى ما قدَّره عليه وقضاه صائر، وهو سبحانه أرحم بالعبد من والدته وسائر أهله، وأشهد أن لا إله إلا الله الذي لا تُرفع الشكوى إلا إليه، ولا يَكشف البلوى إلا هو، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المجتبى، أوذي في الله بالقول والفعل، حتى سُعي في قتله فأنجاه الله، وأُخْرِج من بلده وأهله، فاللهم صلِّ عليه وعلى آله وأصحابه وسلِّم تسليمًا يترى إلى قيام الساعة.
أما بعد، أيها المسلمون:
اتقوا الله تعالى حق تقواه، وكونوا لنعمائه شاكرين، ولابتلائه صابرين محتسبين، تائبين مستغفرين منيبين، فإن الله – جلَّ وعلا – قد قضى أنْ يبتلى عباده المؤمنين فيما يُحبون ويكرهون، وفي أنفسهم، وأهليهم، وأموالهم، وديارهم، لينظر كيف يعملون؟ أيصبرون أم يجزعون، وهل يتوبون من ذنوبهم ويستغفرون أم يستمرون في غيِّهم ويزيدون؟
فقال – جلَّ وعلا -: { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }.
وقال – عزَّ من قائل -: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ }.
فأخبر سبحانه بأنه سيبتلي عباده بشيء من هذه الخمس المذكورات، ووعد الصابرين على هذا الابتلاء بالرحمة، ووصفهم بالهداية، وأتمَّ النعمة بصلواته عليهم، فله الحكمة التامة، والرحمة السابغة، في تقديره المصيبات، وفي تنوع الشِدَّات، والزيادة لبعض دون بعض، وسكان بلد دون آخرين، وأهل زمان دون زمان.
فيا من أصابته آلامٌ وجروح، وحلَّت به مِحَنٌ وكروب، ودهمته حروبٌ ومجازر، وحصلت له فتنٌ وشرور، وأُجْلِيَ من بلده وشُرِّد، واعترته أمراض في عقله أو بدنه أو أهله، وضربه الجوع والفاقة بعد الغنى والشِّبع، وجاءه الخوف بعد الأمن، أما سمعت قول النبي صلى الله عليه وسلم الصحيح: (( مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ، وَلاَ وَصَبٍ، وَلاَ هَمٍّ، وَلاَ حُزْنٍ، وَلاَ أَذًى، وَلاَ غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ )).
أما سمعت قول النبي صلى الله عليه وسلم الصحيح: ((عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ )).
أما سمعت قول النبي صلى الله عليه وسلم الثابت: (( مَا يَزَالُ البَلَاءُ بِالمُؤْمِنِ وَالمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ، وَوَلَدِهِ، وَمَالِهِ، حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ )).
أيها المسلمون:
إنكم لتعلمون ما يجري هذه الأيام على إخوانكم مِن أهل السُّنة في سوريا: من ظلم واعتداء، وتدمير وإهلاك، وتجويع وتمزيق، وتخويف وإرهاب، وقتل وإبادة، وإجلاء وتشريد، وحصار وخنق، من غير رحمة ولا هوادة، بل بقسوة وشراسة، وتَعَطُّش وبشاعة، قلَّ أمثالها في التاريخ، لم يسلم منها شيخ كبير، ولا امرأة عجوز، ولا طفل رضيع، ولا أم حُبلى، ولا شابّ وشابَّة، ولا مريض، ولا مُقعد، ولا منزل، ولا مسجد، ولا مدرسة، ولا مستشفى، ولا طريق، يجري ذلك بأيدي النصيريين الحاقدين، وجنود إيران المجرمين، وحزب شيعة لبنان الغادرين، وحشود شيعة العراق الفاجرين، وخوارج داعش والنصرة المارقين، وجند دولة الكفر والشر روسيا.
ومع ذلك فلا نقول في هذا المُصاب الجَلَل، والحُزن العظيم المؤلم إلا ما يرضي الله عنَّا: “فإنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أْجُرنا في مصيبتنا، وأخْلِف لنا خيرًا منها”.
ونقول لإخواننا في سوريا: “إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكلُ شيءٍ عنده بأجل مُسمَّى، فلتصبروا ولتحتسبوا”.
ولا تستهينوا يا إخوتاه بالصبر فإن الله سبحانه وعد المؤمنين بالنصر والظفر في الدنيا، وإهلاك عدوهم، وأخبر أنه إنما أنالهم ذلك بالصبر، فقال – عزّ وجلَّ -: { وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ }.
وثبت: (( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَبِأُمِّ عَمَّارٍ وَهُمَا يُعَذَّبَانِ فَقَالَ: «اصْبِرُوا آلَ يَاسِرٍ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ» )).
ونقول لهؤلاء الظالمين المجرمين الذين تكالبوا عليهم:
انتظروا بأس الله وعقوبتة، فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، ثُمَّ قَرَأَ: { وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } )).
واعلموا أن دماء وأموال وأعراض المسلمين ليست بهينة ولا رخيصة عند ربهم، بل قد جعل لها موعدًا للمحاسبة الدقيقة والمقاصة، والتي لا يَسْلم منها حتى البهيمة المعتدية على أختها، ومقاصة وعقوبة الآخرة أشد وأنكى، أخزى وأبكى، أمَرُّ وأبأس وأطول، إذ هي عذاب ونكال في أشد وأعظم نار، إنها نار جهنم، فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ، مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ )).
أيها المسلمون:
يا مَن ابتليتم بشيء من الكوارث والكروب، ونزلت بكم وبأرضكم بعض الفتن والخُطوب، أوصيكم ونفسي بهذه الأمور:
أولًا: بالتضرع إلى الله تعالى في دفع ما حَلَّ بكم، فإنه من أجَلِّ حِكم الابتلاء بالبأساء والضراء، حيث قال سبحانه: { وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ }.
بل إنه تعالى قد ذمَّ ووبَّخ أقوامًا لم يتضرعوا إليه حين ابتلاهم، فقال – عزَّ وجلَّ -: { وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ }.
وثانيًا: أن تُنزلوا شكواكم بالله وحده، لا بالخلق، فإنه لا رَبَّ لكم غيره تقصدونه وتدعونه، ولا إله لكم سواه تؤمِّلونه وترجونه، ولا حول ولا قوة لكم إلا به، وهو سبحانه نعم المولى، ونعم النصير، الذي يتولى عباده المؤمنين، فيدفع عنهم كيد الفجار، وتكالب الأشرار، ومكر أهل الإجرام، ومن كان الله مولاه وناصره فلا خوف عليه، ومن كان الله عليه فلا عِزَّ له، ولا قائمة له، وإن كان بيده المال والعتاد والرجال، ولتكن لهم أسوة بنبي الله وعبده يعقوب – عليه السلام – حين مصابه، حيث قال: { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ }، وقال لمن آلموه: { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ }.
ولتكونوا على يقين أن النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا، بهذا قضى الله سبحانه وحكم.
وثالثًا: أن تكثروا من العبادات من صلاة وصيام ودعاء واستغفار وقراءة قرآن وذكر لله تعالى، وغيرها، فإن ذلك سلاح من أشد أسلحة النصر على الأعداء، وباب من أوسع أبواب الفرج، ولا يدري الإنسان أيكون أجله في هذه الغارة أو يكون ممن يُمدد له في العمر، ولما تجمَّعت قريش وغطفان وقبائل العرب بتحريض من اليهود والمنافقين على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في غزوة الأحزاب، قال حذيفة – رضي الله عنه -: (( رَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْأَحْزَابِ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ فِي شَمْلَةٍ يُصَلِّي، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى )).
وصحَّ أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى أمته بالإكثار من العبادات، وأخبرهم بعظيم الأجر عليها، زمن الهرج، أيْ: وقت حصول القتل والاقتتال، فقال صلى الله عليه وسلم: (( الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ )).
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية:ـــــــــــــــ
الحمد لله الحميد في وصفه وفعله، الحكيم في خلقه وأمره، الرحيم في عطائه ومنعه، المحمود في خفضه ورفعه، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد أفضل مرسل من عنده، وعلى آله وصحبه، ومن والاهم إلى ساعة أجله.
أما بعد، أيها المسلمون:
إن من الأمور القبيحة والمُؤَثِّمَة شرعًا عند حلول المصائب، وحصول النكبات، ووقوع المحن على هذه الأمة المحمدية: ما يصدر عن بعض الناس مِن سبٍّ ولعن وتحريض على ولاة أمر المسلمين أو رميهم بالخيانة والعمالة للأعداء عند سماع نشرات الأخبار أو المراسلين أو المحللين السياسيين أو الخطباء والوعاظ وما يذكرونه حول الولاة والدول وما حصل لبعض المسلمين من قتل وتجويع وتشريد، ولا ريب أن لسان المؤمن عفيف، وليس بفاحش، ولا بذيء، بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نفى هذه الخِلال عن المؤمن، فثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لَيْسَ المُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلَا اللَّعَّانِ، وَلَا الفَاحِشِ، وَلَا البَذِيءِ )).
وثبت عن أنس – رضي الله عنه – أنه قال: (( نَهَانَا كُبْرَاؤُنا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا لَنَا: لَا تَسُبُّوا أُمَرَاءَكُمْ، وَلَا تَغْشَوْهُمْ، وَلَا تَعْصُوهُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاصْبِرُوا، فَإِنَّ الْأَمْرَ قَرِيبٌ )).
والمؤمن الحق مدرك أنه مُحَاسب على ما ينطق به لسانه في حق حاكم أو غير حاكم، ومَن يُحب ومَن يكره، لا يغيب عنه قول ربه سبحانه: { مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ }.
أيها المسلمون:
لا يجوز أن يُفتات على ولاة الأمور في مسائل العلاقات مع الدول، فيُتظاهر عليهم لطرد سفير، أو قطع علاقة مع دولة، أو الضغط عليها اقتصاديًا، لأن هذه الأمور من اختصاص ولي الأمر لا الرعية، وهو المسئول عنها أمام الله لا هُم، وهو الذي يُقدِّر المصالح والمفاسد العائدة على بلده أو بلاد المسلمين بسبب ذلك، وأعرف بمآلات هذه الأفعال وعواقبها، وأدرى بحال دولته من ضعف وقوة، ومكر أعدائها بها وقوتهم، وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له: (( أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَمْنَعُونَا حَقَّنَا وَيَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ» )).
أيها المسلمون:
إن ما يجري على أهل سوريا اليوم وغيرهم من حروب وويلات، ودمار وتدمير، وتقتيل وتشريد، وتفرُّق وانقسام، وذهاب أمْن، وحصول جوع، كان من أعظم أسبابه المظاهرات التي أنتجت لنا الثورات، وقد تسبب في حصول هذه المظاهرات والثورات قنوات فضائية، وإعلاميون ومحللون سياسيون، ومراسلون ومذيعون، وصحف ومجلات، ومواقع إلكترونية، ودعاة وخطباء منتمون لبعض الجماعات، وزعماء ورموز أحزاب لبرالية وعلمانية وشيوعية وأخرى تصف نفسها بالإسلامية، وشباب يكتبون على الفيسبوك وتويتر وغيرهما من برامج التواصل، فينبغي للناس أن لا ينسوا ذلك، ولا للتاريخ أن يُغفل جرمهم هذا في حق الأمة، حتى لا يُلدغ المؤمنون من هذا الجُحر مرة أخرى، وينبغي لهؤلاء أن يشتغلوا بما يُخلِّصهم عند ربهم، ويُقبلوا على شأنهم الخاص، فإن عليهم إثمًا بكل دمٍ أريق، ومال دُمِّر، ونفس أصيبت، وطفلٍ يُتِّم، وامرأة رُمِّلت، وخوف حصل، ونزوح وقع، وفساد عريض حصل.
أيها المسلمون:
إن من الأمور المقررة في نصوص القرآن العظيم والسنة النبوية، والمسلَّمات عند أهل الإسلام: أنه ما سُلط علينا أعداؤنا من أهل الكفر أو أهل البدع والضلال، ولا حلَّت في ديارنا الحروب، وكثر القتل في صفوفنا، وتوسعت آلامنا، وزادت نكباتنا، واشتدت محننا، وضعفت قوانا، وهُنَّا على الناس، إلا بسبب ذنوبنا وآثامنا ومعاصينا، إلا بسبب ما يقع مِن أمور شركية وبدع ومعاص، وصدق الله، وكذب المحللون المتخرصون، حيث قال – جلَّ وعزًّ -: { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ }.
وثبت عن رسوله صلى الله عليه وسلم أنه قال في شأن أمته: (( وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ وَيَأْخُذُ بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بَيْنَهُمْ بِكِتَابِ اللهِ إِلَّا جَعَلَ بِأَسَهُمْ بَيْنَهُمْ )).
ألا فلا يغب عن أذهاننا هذا الأصل، ولا نتناساه أو نَغْفَل عنه، أو نُضَلل حوله بسبب كثرة سماع نشرات الأخبار والبرامج السياسية والمحللين والمراسلين، والقراءة للكُتَّاب وللصحفيين، وشنشنة أبواق العلمانية واللبرالية.
واعلموا أن المصائب والكروب، والآلام والجروح، والنكبات والمحن، والخطوب والمعكرات، إنما تدفع بالتوبة النصوح، والإنابة إلى الله والخضوع له، والتضرع إليه والالتجاء به، والإقلاع عن الذنوب، والبعد عن أماكنها، والإقبال على الطاعات، والمسارعة إليها والإكثار، حيث قال الله سبحانه: { فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ }.
اللهم يا ذا الجلال والإكرام، يا بديع السماوات والأرض، يا حي يا قيوم، ارفع الضر عن إخواننا المسلمين في سوريا، وسلِّم لهم أنفسهم وأهليهم وأموالهم وديارهم من النصيرين الكافرين ومَن عاونهم، اللهم ادفع عنهم هذا البلاء الذي لا يدفعه سواك، اللهم إنا لا نستعين بغيرك ولا نرجو إلا إياك في كشف ضُرهم، اللهم إنهم فقراء إليك عاجزون محتاجون إلى دفعك ودفاعك عنهم، اللهم ارحم موتاهم، واشف مرضاهم وجرحاهم، واربط على قلوبهم فلا يقولوا ولا يفعلوا إلا ما يرضيك، اللهم اجبر مصيبة من أصيب منهم بشيء في بدنه أو أهله أو ماله، وتفضل عليه بالخَلَف العاجل، اللهم قاتل النصيرين والخوارج ومن ساندهم والذين آذوا المسلمين في سوريا، اللهم خالف بين كلمتهم، وألق الرعب في قلوبهم، وأنزل عليهم رجزك وعذابك إله الحق، اللهم رد كيدهم في نحورهم، واجعل أسلحتهم مَحرقة لهم، ومزقهم شر مُمزق، ونكِّل بهم، وشردهم في الأرض، إنك يا ربنا سميع مجيب.

للشيخ عبد القادر محمد عبد الرحمن وفقه الله
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:28 AM

khutba-aljuma

 



Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
حقوق الخطب محفوظة لأصحابها ومن أراد استعمالها في غرض تجاري يتواصل مع أصحابها , وما ينشر يعبر عن رأي أصحابها الإدارة ليست مسؤولة عن ذلك , وأي انتهاك في الحقوق الفكرية يرجى ابلاغنا لاتخاذ الاجراءات