قال ابن القيم رحمه الله :

ومن تأمل خطب النبي صلى الله عليه وسلم وخطب أصحابه؛ وجدها كافية ببيان الهدى والتوحيد، وذكر صفات الرب جل جلاله

وأصول الإيمان الكلية، والدعوة إلى الله، وذكر آلائه تعالى التي تحببه إلى خلقهن وأيامه التي تخوفهم من بأسه، والأمر بذكره وشكره الذي يحببهم إليه؛

 فيذكرون من عظمة الله وصفاته وأسمائه ما يحببه إلى خلقه، ويأمرون من طاعته وشكره وذكره ما يحببهم إليه، فينصرف السامعون وقد أحبوه وأحبهم.

ثم طال العهد، وخفي نور النبوة وصارت الشرائع والأوامر رسوما تقام من غير مراعاة حقائقها ومقاصدها، فجعلوا الرسوم والأوضاع سننا لا ينبغي الإخلال بها،

وأخلوا بالمقاصد التي لا ينبغي الإخلال بها، فرصعوا الخطب بالتسجيع والفقر وعلم البديع، فنقص بل عدم حظ القلوب منها، وفات المقصود بها".

قال الشيخ صالح الفوزان وفقه الله معلقا:

هذا ما قاله الإمام ابن القيم في طابع الخطب في عصره، وقد زاد الأمر على ما وصف حتى صار الغالب على الخطب اليوم أنها حشو من الكلام قليل الفائدة.

فبعض الخطباء أو كثير منهم يجعل الخطبة كأنها موضوع إنشاء مدرسي، يرتجل فيه ما حضره من الكلام بمناسبة وبدون مناسبة،

ويطيل الخطبة تطويلاً مملاً حتى إن بعضهم يهمل شروط الخطبة أو بعضها، ولا يتقيد بمواصفاتها الشرعية، فهبطوا بالخطب إلى هذا المستوى

 الذي لم تعد معه مؤدية للغرض المطلوب من التأثير والتأثر والإفادة.

وبعض الخطباء يقحم في الخطبة مواضيع لا تتناسب مع موضوعها، وليس من الحكمة ذكرها في هذا المقام، وقد لا يفهما غالب الحضور؛

 لأنها أرفع من مستواهم، فيدخلون فيها المواضيع الصحفية والأوضاع السياسية وسرد المجريات التي لا يستفيد منها الحاضرون.

فيا أيها الخطباء! عودوا بالخطبة إلى الهدي النبوي، {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة}

 ركزوا مواضيعها على نصوص من القرآن والسنة التي تتناسب مع المقام، ضمنوها الوصية بتقوى الله والموعظة الحسنة،

عالجوا بها أمراض مجتمعاتكم بأسلوب واضح مختصر، أكثروا فيها من قراءة القرآن العظيم الذي به حياة القلوب ونور البصائر.

إنه ليس المقصود وجود خطبتين فقط، بل المقصود أثرهما في المجتمع، كما قل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

لا يكفي في الخطبة ذم الدنيا وذكر الموت؛ لأنه لا بد من اسم الخطبة عرفا بما يحرك القلوب ويبعث بها إلى الخير،

وذم الدنيا والتحذير منها مما تواصى به منكروا الشرائع، بل لا بد من الحث على الطاعة، والزجر عن المعصية، والدعوة إلى الله، والتذكير بآلائه"

وقال: ولا تحصل الخطبة باختصار يفوت به المقصود، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه،

وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش، يقول صبحكم ومساكم" [ الملخص الفقهي ]


العودة   خطبة الجمعة > خطب الجمعة > خطبة الجمعة

Tags H1 to H6

خطبة الجمعة

خطبة الجمعة بعنوان سورة الفاتحة وشيء من فضائلها

خطبة الجمعة بعنوان سورة الفاتحة وشيء من فضائلها
إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 10-19-2018, 04:04 PM
خطب مكتوبة خطب مكتوبة غير متواجد حالياً
Moderator
 
تاريخ التسجيل: Oct 2018
المشاركات: 300
افتراضي خطبة الجمعة بعنوان سورة الفاتحة وشيء من فضائلها

الخطبة الأولى: ـــــــــــــــــــ
الحمد لله جامعِ الشتات مِن الأحياء والأموات، وسامعِ الأصوات باختلاف اللغات، وأشهد أن لا إله إلا الله ذو الأسماء الحسنى والصفات، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث بالآيات البينات، والخوارق المنيرات، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أولي العلوم الزاهرات، وعلى أزواجه الطيبات الطاهرات، صلاة وسلامًا على الأيام متواليات.
أما بعد، عباد الله:
فاتقوا الله ربكم بإعماركم أوقاتكم ومجالسكم وبيوتكم بالقرآن العزيز، بتعلم قراءته وإجادتها، وتلاوته بالليل والنهار، وتدبر آياته وتفهمها، ودراسة أحكام تلاوته، وما نزل في آياته من أحكام، ومعرفة تفسيره ومعاني كلماته، إذ يقول الله تعالى في سبب إنزاله عليكم: { مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى }.
وقال سبحانه معاتبًا مَن انشغل قلبه عن تفهمه: { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا }.
وقال – جلَّ شأنه – مبشرًا بتيسير القرآن للمقبلين عليه: { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ }.
عباد الله:
إن من أعظم أوقات العبد هي تلك الأوقات التي يقضيها مع كتاب ربه القرآن، فيتلو، ويتدبر، ويتعلم الأحكام، ويأخذ العظة والعِبرة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم كثير المدارسة للقرآن، فكان يُدارس نفسه، وكان يُدارسه جبريل، وكان يُدارس أصحابه، وفي هذه الخطبة أتدارس وإياكم سورة من سور القرآن العزيز، ألا وهي سورة الفاتحة، وسوف يكون الكلام عنها في عدة وقفات، فأقول مستعينًا بالله – عزَّ وجلَّ -:
الوقفة الأولى / عن فضل سورة الفاتحة.
سورة الفاتحة التي افتُتح بها المصحف الشريف، وتُستفتح بها القراءة في الصلاة، أفضل سورة في القرآن، لِما صحَّ عن ابن المُعَلَّى – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (( لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِي القُرْآنِ: { الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ }، هِيَ السَّبْعُ المَثَانِي، وَالقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ )).
وصحَّ أن ملَكًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: (( أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ )).
الوقفة الثانية / عن الأحكام المتعلقة بقراءة سورة الفاتحة في الصلاة.
فمِن هذه الأحكام:
أنه لا تصح صلاة جهريَّة أو سِريَّة، فريضة أو نافلة، مِن إمام أو مأموم أو منفرد، إلا بقراءتها في جميع الركعات، لِما صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ )).
وقولهِ صلى الله عليه وسلم الصحيح: (( مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ ))، والخِداج هو: النُّقصان والفساد.
وثبت عن عبادة بن الصامت – رضي الله عنه – أنه قال: (( كُنَّا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: لَعَلَّكُمْ تَقْرَءُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ، قُلْنَا: نَعَمْ، هَذًّا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا )).
فيجب على كل مُصَلٍّ أن يتعلم سورة الفاتحة ويحفظها، لأنه لا تصح وتُقبل له صلاة إلا بقراءتها.
وإذا دخل العبد مع الإمام بعد أن شرع في الصلاة فلم يتسع وقت قيامه لقراءة الفاتحة، فإنه يركع، ولا يُتم قراءة الفاتحة باتفاق الأئمة المتبوعين، قاله الإمام ابن تيمية – رحمه الله -.
وأما الأخرس ومقطوع اللسان فإنه يقف قائمًا في صلاته بمقدار قراءة الفاتحة أو أكثر، وفي ركوعه وسجوده يمكث بمقدار تسبيحة فأكثر، وفي الجلسة بين السجدتين بمقدار قول: “رب اغفر لي” مرة فأكثر، وفي جلوسه مقدار التشهد.
ولا تجزأ قراءة الفاتحة في الصلاة إلا باللغة العربية، وإلى هذا ذهب أكثر الفقهاء، قاله الفقيه أبو عبد الله القرطبي المالكي – رحمه الله -.
ومِن هذه الأحكام:
أنَّ من قرأ الفاتحة فإنه يفتتحها بالبسملة، فإن كان إمامًا في صلاة جهرية فالسُّنة عند أكثر الفقهاء أن يُسِرَّ بالبسملة، لِما ثبت عن أنس – رضي الله عنه – أنه قال: (( صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، فَلَمْ يَكُونُوا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ )).
وإنْ جهر بها لاسيما أحيانًا فلا بأس، لثبوت ذلك عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
ومِن هذه الأحكام:
أنَّ الخطأ في قراءة الفاتحة في الصلاة إن كان يُغيِّر المعنى، فتبطل به الصلاة، كقراءة قوله تعالى: { اهْدِنَا }، بلفظ: “أَهْدِنَا” بفتح الهمزة، لأن المعنى قد تغير، إذ معنى: { اهْدِنَا } أي: دُلَّنَا، ومعنى: “أهدِنا” أي: أعطنا هدية، وإن كان الخطأ لا يُغيِّر المعنى، فلا تبطل به الصلاة، إلا أنه يُنقص ثوابها.
ومن هذه الأحكام:
أنه يُسَنُّ لِمن أنهى قراءة الفاتحة في الصلاة أو خارج الصلاة أنْ يؤمِّن فيقول: “آمين”، لأنه قد سَبق تأمينه دعاء، والدعاء هو قوله تعالى: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ }.
وإن كانت الصلاة جهرية، فالسنة عند أكثر الفقهاء أن يجهر الإمام والمأمومون بالتأمين، لِما صحَّ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ )).
وصحَّ عن عطاء – رحمه الله – أنه قال: (( كُنْتُ أَسْمَعُ الْأَئِمَّةَ: ابْنَ الزُّبَيْرِ وَمَنْ بَعْدَهُ يَقُولُونَ: آمِينَ، وَمَنْ خَلْفَهُمْ يَقُولُونَ: آمِينَ، حَتَّى إِنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلَجَّةً )).
الوقفة الثالثة / عن بعض البدع المتعلقة بقراءة سورة الفاتحة.
اعتاد كثير من الناس قراءة سورة الفاتحة بعد السلام من صلاة الفريضة، أو بعد دفن ميِّت، أو عند تعزية أهله، أو زيارة قبره، أو بعد الانتهاء من الدعاء، وإهداء ثوابها للمسلمين الأحياء والأموات.
واعتادوا أيضًا قراءتها عند خِطبة امرأة، أو عقد نكاح عليها، أو عند افتتاح مشروع صناعي أو تجاري، أو بعد اتفاق على عمل أو شراكة.
وهذه الفواتح لا تُعرف في الإسلام، بل هي مِن البدع المحرمة، إذ لم تُنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه، ولا عن أحد من أهل القرون الأولى، ولا عن أئمة المذاهب الأربعة وتلامذتهم، وإنما انتشرت بين المسلمين عن طريق الشيعة الرافضة، وغلاة الصوفية، وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ )).
وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أيضًا أنه قال: (( مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ ))، أي: مردود على مَن تعبَّد به، لا يقبله الله منه.
الوقفة الرابعة / عن الرُّقية بسورة الفاتحة.
والمراد بالرُّقية: القراءة التي تُقرأ على المريض لِيُشفَى.
وسورة الفاتحة من أعظم الرُّقى الجالبة للشفاء، وذهابِ المرض أو تخفيفه، فقد صحَّ: (( أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانُوا فِي سَفَرٍ، فَمَرُّوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَاسْتَضَافُوهُمْ فَلَمْ يُضِيفُوهُمْ، فَقَالُوا لَهُمْ: هَلْ فِيكُمْ رَاقٍ؟ فَإِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ لَدِيغٌ أَوْ مُصَابٌ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: نَعَمْ، فَأَتَاهُ فَرَقَاهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَبَرَأَ الرَّجُلُ، فَأُعْطِيَ قَطِيعًا مِنْ غَنَمٍ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، وَقَالَ: حَتَّى أَذْكُرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ وَاللهِ مَا رَقَيْتُ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَتَبَسَّمَ وَقَالَ: «وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟» ثُمَّ قَالَ: «خُذُوا مِنْهُمْ، وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ مَعَكُمْ» )).
وثبت عن خارِجة بن الصَّلْت عن عمِّه: (( أَقْبَلْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَتَيْنَا عَلَى حَيٍّ مِنَ الْعَرَبِ، فَقَالُوا: إِنَّا أُنْبِئْنَا أَنَّكُمْ قَدْ جِئْتُمْ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرَّجُلِ بِخَيْرٍ، فَهَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ دَوَاءٍ أَوْ رُقْيَةٍ فَإِنَّ عِنْدَنَا مَعْتُوهًا فِي الْقُيُودِ؟ قَالَ: فَقُلْنَا: نَعَمْ قَالَ: فَجَاءُوا بِمَعْتُوهٍ فِي الْقُيُودِ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً، كُلَّمَا خَتَمْتُهَا أَجْمَعُ بُزَاقِي ثُمَّ أَتْفُلُ فَكَأَنَّمَا نَشَطَ مِنْ عِقَالٍ، قَالَ: فَأَعْطَوْنِي جُعْلًا، فَقُلْتُ: لَا، حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «كُلْ فَلَعَمْرِي مَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ لَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ» )).
وقال الحافظ ابن رجب – رحمه الله -: فالقرآن كلّه شفاء، والفاتحة أعظم سورة فيه، فلها من خصوصية الشِّفاء ما ليس لغيرِها، ولم يَزْل العارفون يتَداوَون بها من أسقامِهم، ويجدون تأثيرها في البُرْء والشِّفَاء عاجلًا.اهـ
وقال الإمام ابن قيم الجوزية – رحمه الله – عن رقيته لنفسه بالفاتحة: ولقد مرَّ بي وقت بمكة سقِمت فيه، وفقدت الطبيب والدواء، فكنت أتعالج بها، آخذ شَربة مِن ماء زمزم وأقرؤها عليها مرارًا ثم أشربه، فوجدت بذلك البُرء التَّام، ثم صِرت اعتمد ذلك عند كثير من الأوجاع، فأنتفع بها غاية الانتفاع.اهـ
نفعني الله وإياكم بما سمعتم، وبارك لكم فيه، وزادنا فقهًا بدينه وشرعه، إن ربي سميع الدعاء.
الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــ
الحمد لله الملك الأعلى، وسلَّم على أشرف المخلوقين محمدٍ وعلى آله وصحبه وصلَّى.
أما بعد، عباد الله:
فقول ربكم سبحانه في أول سورة الفاتحة: { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } قد تضمَّن أعظم أصل يجب على المسلم معرفته، وهو: معرفة الرب تعالى، ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله.
والأسماء المذكورة في هذه السورة هي أصول الأسماء الحُسنى، وهي اسم الله، والرب، والرحمن، فاسم “الله” متضمِّنٌ لصفات الألوهيَّة، واسم “الرب” متضمِّنٌ الربوبية، واسم “الرحمن” متضمِّنٌ لصفات الإحسان والجود والبِرِّ، ومعاني أسمائه تدور على هذا.
وقوله تعالى: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } يتضمَّنُ معرفة الطريق الموصلة اليه سبحانه, وأنها ليست إلا عبادته وحده بما يحبه ويرضاه, واستعانته على عبادته.
وقوله سبحانه: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } يتضمَّنُ بيان أنَّ العبد لا سبيل له إلى نجاته وسعادته إلا باستقامته على الصراط المستقيم الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأنه لا سبيل له الى الاستقامة على هذا الصراط إلا بهدايته سبحانه.
وقوله – جلَّ وعزَّ -: { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ } يتضمِّن بيان طرفي الانحراف عن الصراط المستقيم، وهما: الذين لم يعملوا بما يعلمون مِن شرع الله وأحكام دينه، وهذا وصف اليهود المغضوب عليهم، والذين يعملون بغير علم، بل بجهل، وهذا وصف النصارى الضالين.
هذا وأسألُ الله أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور أبصارنا، وجِلاء أحزاننا، وذهاب همومنا، وأن يجعلنا ممن يتلونه حقَّ تلاوته، ويحفظونه أحسن حفظ، وأن يرزقنا به السعادة والفلاح والرِّفعة في الدنيا والآخرة، وأن يجعلنا به مؤمنين، ولأخباره مصدِّقين، وبأحكامه عاملين، متَّفقين فيه غير مختلفين، مؤتلفين غير متعادين، اللهم ارفع لنا به الدرجات، وكفِّر عنَّا به السَّيئات، وباعِد بيننا وبين هَجره، إنك سميعٌ مجيب، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

للشيخ عبد القادر محمد عبد الرحمن وفقه الله
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:12 AM

khutba-aljuma

 



Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
حقوق الخطب محفوظة لأصحابها ومن أراد استعمالها في غرض تجاري يتواصل مع أصحابها , وما ينشر يعبر عن رأي أصحابها الإدارة ليست مسؤولة عن ذلك , وأي انتهاك في الحقوق الفكرية يرجى ابلاغنا لاتخاذ الاجراءات